أحدث الوظائف

18 فيلماً أفريقياً فى مهرجان الأقصر للسينما

18 فيلمًا ضمتهم مسابقة الأفلام الطويلة ضمن فعاليات الدورة الثانية من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية»، الذي شهدت فعالياته مدينة الأقصر خلال الفترة من 15 إلى 24 مارس الجاري، هذه الأفلام الـ 18 تمثل 10% من مجموع الأفلام التي شهدتها الدورة الثانية للمهرجان، ضمن أقسام مسابقة الأفلام القصيرة، ومسابقة أفلام الحريات، وبرنامج أفلام الدياسبورا، أو «أفلام الشتات الأفريقي»، وبرنامج السينما المصرية المستقلة، والبرنامج الرسمي خارج المسابقة، «مع الأخذ في الاعتبار أن لائحة المهرجان لا تفرق بين الأفلام الروائية والأفلام التسجيلية في مسابقة الأفلام الطويلة أو القصيرة، إنما تندرج الفئتين تحت التصنيف الزمني وليس النوعي للأفلام».

ولا شك أن الأفلام الـ 18 المختارة ضمن مسابقة الأفلام الطويلة تعكس في جوانب كثيرة منها صورة لواقع السينما الأفريقية الحالي، خاصة فيما يتعلق بالأفكار التي تشغل بال صناع السينما الأفارقة أو طبيعة الموضوعات التي تحركهم أو أساليب المعالجة والتعامل مع القضايا والأزمات التي تجتازها القارة السمراء على المستوى السياسي الضيق أو الإنساني الواسع.

ومن هنا نستطيع أن نلمح الكثير من العناصر النمطية التي تتسم بها السينما الأفريقية، والتي يأتي على رأسها مأساة الهجرة غير الشرعية والصراع ما بين العلم والخرافة، وأزمة البحث عن الهوية, إلا أنه وفي مقابل هذه العناصر النمطية ثمة وجود محسوس وأساسي لوجهات نظر صناع السينما الأفارقة في الكثير من القضايا الكونية والإنسانية، سواء كانت على المستوى المجرد أو على مستوى علاقة تلك القضايا بالواقع السياسي والاجتماعي للقارة, التي لا تزال تحتفظ بملامحها الأسطورية والفلكلورية وتبدو وكأن الزمن والتاريخ يزورونها على استحياء في بعض الأحيان.

من بين القضايا الكونية التي نجدها حاضرة بقوة في أفلام الدورة الثانية من مهرجان «الأقصر»، قضية «الموت» أو علاقة الإنسان بالموت، سواء الأفريقي في بيئته الخاصة أو الإنسان في تعريفه العالمي الشامل.

في فيلمه السنغالي «اليوم»، للمخرج آلان جوميز، «وهو أحد مخرجي الدياسبورا، أي المخرجين الأفارقة المولودين خارج أفريقيا»، يقدم لنا خلال أحداث الفيلم اليوم الأخير في حياة «سانشيه» العائد من أمريكا ليموت في مدينته الأولى, وينطلق «جوميز» هنا من أسطورة شعبية لا تستغرق كثيرًا في توضيح خلفيتها, فما يعنيه هو مغزاها الفلسفي, هو أن «اليوم» اختصار لحياة بأكملها نتابع فيها حركة البطل وهو يعيد اكتشاف ذاته، وإعادة تعريف المسلمات والأفكار التي عاش في ظلها سنوات طويلة، بينما يوشك على المغادرة, إنه فيلم يحتفي بالحياة وأهميتها ويجعلنا نتوحد مع البطل المغادر كي نثمن كل لحظة نعيشها وكل شخص قابلناه.

ويتعمق المخرج في الفكرة عندما ينقضي «اليوم» ولا يموت «سانشيه» كما تم التنبأ له, فما اكتشفه في ذلك اليوم عن معنى الحياة وعن ذاته أطال في عمره وجعله يعيش الحياة بشكل حقيقي ليموت بعد سنوات طويلة وسط ابنائه.

وعلى غرار التيمة نفسها يقدم لنا المخرج «نيوتن أ. أدواكا» من نيجيريا فيلمه «عرض الرجل الواحد»، حول ممثل أفريقي الأصل يعيش في فرنسا، يكتشف أنه مصاب بالسرطان، وعلى وشك الموت، فيجد نفسه مدفوعًا بالرغبة في إعادة قراءة حياته في محاولة منه للتطهير، ويستلهم المخرج الكوميديا الإلهية لـ«دانتي» في شكل عناوين الفصول التي تمثل البناء السردي للفيلم, ويعتمد إخراجيًا على أسلوب الكاميرا المتحركة التي تعكس واقع نفسي وذهني غير مستقر يتم التفتيش فيه، بحثًا عن خلاص ما قبل الموت, إضافة إلى استخدام المشاهد الطويلة والأماكن الواحدة لكل مشهد، وكأنه يقسم حياة الرجل إلى غرف تحتوي كل غرفة منها على عنصر حياتي يرغب في التطهر منه, فهذه غرفة العشيقة المغربية, تليها غرفة الحبيبة الفرنسية، ثم غرفة الزوجة، وأخيرًا غرفة الابن الذي يبدو نقطة التصالح والبراءة الوحيدة في حياته, ومن المعروف أن جحيم الكوميديا الإلهية هي الرحلة التي توازي الإسراء والمعراج في التراث الإسلامي، فيتكون من غرف، تحتوي كل غرفة على صنف من أصناف العذاب أو شكل من أشكال التطهير عبر العقاب الإلهي.

ومن الملاحظ هنا أن كلاً من الفيلمين يعكسان واقعًا بعيدًا عن خصوصية الشأن أو الأصل الأفريقي، وإن كان فيلم «اليوم» يتحرك داخل واقع أحد المدن الأفريقية التي يجتازها البطل في نهار واحد، لكنه يميل بحكم توظيفه لـ«موتيفه» قراءة الحياة من حافة الموت إلى التجريد، كي يصل إلى قاعدة جماهيرية أوسع.

في مقابل هذا التوظيف الفلسفي والتجريدي لفكرة الموت، ثمة توظيف مليودرامي وتراجيدي في العديد من الأفلام, فلدينا فكرة توظيف الموت كحل درامي، وهو ما نجده في فيلم «نيروبي نصف حياة»، للمخرج الكيني «توش جيتونجا»، وهو فيلم هوليودي النزعة، يدور حول فصول من حياة مراهق شاب يعشق التمثيل يترك قريته ويتوجه إلى المدينة الكبيرة «نيروبي»، كي يحقق حلمه، فيتورط مع أحد عصابات الشوارع، في الوقت نفسه الذي يتاح له فرصة للالتحاق بفرقة مسرحية, ولأن السيناريو سطحي، والشخصية تتحرك دون دوافع حقيقية خاصة فيما يتعلق بإصرار الشاب على المضي قدمًا مع العصابة، رغم نجاحه في الحصول على دور في مسرحية جيدة, فإن المخرج استخدم «الموت» كحل درامي سهل ومريح من أجل أن يتخلص الشاب من تلك العلاقة، عندما تحدث تصفية دموية في النهاية ما بين الشرطة الفاسدة، وأفراد العصابة، ولا يتبق سوى المراهق الشاب الذي يهرب إلى المسرح كي يلقي مونولوج ركيك حول فكرة كون الإنسان مخيرًا أم مصيرًا في حياته وقدره، وهو بالطبع ما يتنافي مع ما أسس له الفيلم من أنه كان مخيرًا طوال الوقت في البقاء في نصف حياته كمجرم أو الاكتفاء بالنصف الجيد وهو حلمه كممثل.

وبالقياس مع فارق المستوى الدرامي والتوظيف يأتي موت الأب في الفيلم المصري «الخروج للنهار»، للمخرجة هالة لطفي، كلحظة تنوير أو ذروة حقيقية، فبعد أن نتورط في متابعة اليوم الأخير في حياة هذا الأب عبر تفاصيل شديدة الخصوصية، رغم أنها عادية، في الوقت نفسه، حول رعاية ابنته العانس وزوجته العاملة له, وكيف أن مرض الأب يمثل عائقًا ما في محاولة الأسرة في الخروج إلى نهار الحياة نتيجة رقدته الطويلة، يأتي الموت كنهاية سعيدة لذلك الواقع البائس، حتى إن المشهد الأخير الذي تدخل فيه حزم من ضوء النهار القوي إلى الشقة أثناء تنجيد الأم والأبنة للمرتبة القطنية من أجل تجديدها عقب رحيل الأب, يأتي هذا المشهد أقرب لاحتفال عبر ضربات قوس التنجيد المتتالية، وكأنهم ينفضون المرض والسكون عن حياتهم وفي الوقت نفسه يضعنا أمام جدلية أن «الموت أحيانا أفضل»، رغم قسوته ومأساويته, وكيف تجبرنا الحياة في بعض الأحيان على انتظار الموت لشخص ما، أملًا في أن يكون موته هو ما يحتاجه الآخرون، وهو ما يمكن أن نقرأة في التعبير القرآني الأمثل في قوله تعالى: «يخرج الحي من الميت».

وربما نلمح تشابهًا عابرًا ما بين توظيف الموت أو تناوله في «الخروج إلى النهار» وبين توظيفه في الفيلم الأنجولي «كل شيء على ما يرام»، للمخرجة بوكاس باسكوال، والذي يدور حول مراهقتين من أنجولا يصلان بشكل غير شرعي إلى البرتغال في الثمانينيات أثناء الحرب الأهلية الأنجولية، في انتظار أن تلحق بهم أمهم من أجل التوجه إلى فرنسا, ومع تتبع مشاهد من حياتهم الاغترابية في تلك البلد، تصل بهم ذروة الأحداث إلى قمتها التراجيدية عندما يصلهم نبأ «موت» الأم أو مقتلها بشكل غامض، بعد أن كانت على وشك أن تسافر لهم, هنا تبدو الأم كرمز للوطن أو بلد المنشأ الذي قتلته الحرب الأهلية الطويلة, ولكن في مستوى آخر من الفيلم يتحول موت الأم إلى لحظة فارقة في حياة الفتاتين، حيث تقرر إحداهن أن تستمر في طريقها إلى فرنسا كي تهاجر إلى الأبد، بينما تعود الأخرى إلى بلدها كي تكتشف لماذا ماتت الأم وكيف؟ أي لماذا مات الوطن؟ ربما لأن في إجابة هذا السؤال ما يجعلها تعيد اكتشاف ذاتها وهويتها وواقعها السياسي والإنساني, لنجد أنفسنا أمام شخص واحد منقسم دراميًا إلى هاتين الفتاتين, والمخرجة عبر توظيفها لفكرة موت الأم ترصد لنا واقعها الوطني، حيث انقسم الجميع ما بين مهاجر لا ينظر خلفه، وبين راغب في معرفة لماذا مات الوطن في محاولة لإعادة إحيائه من جديد.

ويأخذنا هذا الفيلم إلى فكرة التوظيف السياسي للموت في الأفلام الأفريقية داخل المسابقة، فعلى سبيل المثال يأتي الموت كنوع من الترهيب الدعائي في فيلم «الزروق» للمخرج السنغالي موسى توريه، وهو نموذج واضح للأفلام التي تصنع من أجل الدعاية ضد الهجرة غير الشرعية، حيث تدور أحداثه داخل أحد زوارق المهاجرين غير الشرعيين، وكيف أن المخاطر التي يتعرضون لها تؤدي في النهاية إلى «موت» معظمهم، بينما يعود الأخرون عقب فشلهم في بلوغ سواحل إسبانيا يحملون رائحة الموت في عرض البحر التي تشبعوا بها كلما قذفوا جثة إلى الماء, يبدو الموت في الفيلم موت مجاني لا تفيد كثرته سوى التأكيد على أن الهجرة غير الشرعية نهايتها الموت المحقق، وهو تبسيط مخل لفكرة الهجرة وتعامل سطحي ونمطي إلى أقصى حد مع أزمة الهجرة غير الشرعية, في مقابل أننا نجد في فيلم «الغاضبون» للمخرج الفرنسي من أصل جزائري توني جاتليف، توظيفًا مختلفًا لفكرة الهجرة غير الشرعية، والموت على شواطئ أوروبا, ففي المشهد الأول من الفيلم «الذي هو خليط ما بين الروائي والتسجيلي في شكل تجريبي» تصل المهاجرة الأفريقية غير الشرعية إلى شواطئ اليونان ليطالها الموت متمثلًا في عشرات الأحذية الفارغة والمهترئة التي تحركها الماء، وهي رمز للموت الذي يصبح نهاية المطاف بالنسبة للكثير من المهاجرين غير الشرعيين، والذي يريد الجميع تحديه في مقابل الوصول إلى جنة أوروبا.

هنا يبدو توظيف الموت دراميا وسياسيا في منتهى القوة، لأن رسالة الفيلم تبدأ من هذا المشهد وهو موجه في الأساس إلى المهاجرين غير الشرعيين، فهو يريد أن يقول لهم أنظروا إلى هذا العالم الغربي المنهار، أنظروا إلى أوروبا التي تجتاحها الأزمات الإقتصادية والمظاهرات والقلاقل, هل هذه هي الجنة التي تريدون أن تموتوا من أجلها؟ أنظروا إلى أحذية زملائكم الفارغة بعد أن غرقوا، وأنظروا إلى حال أوروبا التي لم تعد تستحق أحذيتكم أن تلقى فارغة على شواطئها بعد موتكم.

يبقى أن نشير إلى فيلم «يما» الجزائري للمخرجة جميلة صحراوي، والذي يمثل الموت خلاله عنصر سردي وبناء أساسي في العلاقة بين شخصيات، وفي الإرهاص بذروته السياسية والفكرية على حد سواء, فالمشهد الأول في الفيلم يبدأ بلقطة بعيدة تجر فيها الأم الثكلى جثة أحد أبنائها الذي قتل على يد آخيه المتطرف الإسلامي, وعبر مشهد طويل نرى الأم وهي تقوم بتغسيل جثة الابن ودفنه, ليصبح قبره فيما بعد مزارًا لها يذكرها بمأساتها التراجيدية كأم وكوطن قتل أبنائه أحدهم الآخر- في تماهي واضح مع قصة قابيل وهابيل- وليصبح مشهد تغسيل الابن الميت نقطة ارتكاز درامية وتقابل فني مع عملية التنظيف والاعتناء بالحفيد الصغير ذو الشهور القليلة، الذي يتحول إلى ابن جديد أو امل في المستقبل,

إن «يما»، وهو النداء الشعبي الجزائري لكلمة يا أمي، هو تلخيص لحال بلد أو أرض أو وطن لا يموت أبدًا طالما أنه ينبت أجيال جديدة تؤمن بقيمة الحياة وحق الآخرين فيها، وليس الموت باسم الدين أو الله, هذه الأم تفقد ثلاثة من أبنائها، اثنين من رحمها، والثالث قتله الابن المتطرف.

ونختم تحليلنا لفكرة الموت كما هو حاضر في أفلام المهرجان بالفيلم التونسي «ما نموتش» للمخرج نوري بو زيد، وهو الذي يستخدم كلمة الموت بشكل صريح في عنوان الفيلم كصرخة ضد الفاشية الدينية والفساد السياسي الذي أعقب الثورة التونسية, وعنوان الفيلم يعني «لن نموت»، ورغم أن الفيلم يبدو أقرب للمنشور السياسي منه للفيلم السينمائي مكتمل العناصر وعالي الجودة، إلا أنه يحمل الكثير من تأويلات فكرة الموت سواء على مستوى دلالات الموت في تجليها المعنوي والسياسي أو على مستوى فكرة رفض الموت نفسه, الموت الذي يقصده المخرج هنا هو موت الضمير وموت المشاعر وموت الحياة في أبسط صورها من خلال شخصية «زينب» و«عائشة»، فإحداهن تتعرض للقهر من قبل أمها وخطيبها الذي يريد أن يسير على خطى الفاشية الدينية في الحكم، بأن يجبرها على الحجاب كي يدعي أنه متدين وأن زوجته محجبة، والثانية التي تعاني من تراكم العديد من المشاكل العاطفية والإنسانية، وتزيد من معاناتها الأوضاع السياسية والاجتماعية غير المستقرة التي تشهدها تونس ما بعد «الياسمين», وكما احتوى فيلم «يما» على مشهد تغسيل الابن المقتول على يد أخيه, يحتوي «مانموتش» على لقطات كثيرة لعملية تغسيل المطرب الشعبي العجوز – الذي يقوم المخرج بدوره- في مونتاج متوازٍ بين الأحداث وعملية الغُسل، وكأنه يقول أن استسلامنا لما يحدث هو اعتراف بموتنا المعنوي والمادي, بينما يأتي رفض «زينب» للحجاب عن قهر، ورفض «عائشة» لحبيبها المتطرف وواقعها المتخبط، كصيحة للحياة التي يجب أن تستمر حتى لو مات المطرب العجوز وسط النفايات التي أفرزتها الثورة، والتي هي جزء من عملية تطهر أي مجتمع ظل فاسدًا وعفنًا لعقود طويلة. 

عن احمد العبد

اضف رد

إلى الأعلى
shared on wplocker.com