أحدث الوظائف

صادق يكتب: إنها ساعات يزهو فيها الباطل قبل حسـرته

كتب د.محمد صادق -أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب واللغات الشرقية بروسيا-يقول:
 ما تعيشه مصر هذه الأيام ليس فتنة؛ إنما تكون الفتنة حينما تلتبس على الناس الحقيقة بالباطل فيعمهون؛فلا تتضح في ظلمائها الرؤية فتضل الأفهام؛ إذ لا تبصر الصواب فلا تهتدي للرشاد والسداد.

أما ما نحن فيه فهو جلي لا يعمه عنه إلا من اعتاد ألا يُجْهِد في استخلاص النتائج ذهنَه، أو من غشيت بصيرته أهواء دنياه فلا يكلف قلبه عنت التماس الحق فيتبعه، ولا يُصغي لسحرة فراعين زماننا إلا من ألقى إليهم سمعه بعدما ارتاب قلبه بالحق وأهله، وما ذلك إلا لهُوَّة بينه وبينهم حفرتها وزاد في اتساعها ابتعاده عن الحق وأهله وانغماسه في مهاوي الرذائل. وهذه الأصناف ما هي إلا نبتة تترعرع عبر القرون حتى تنضج ثمارها بذراريهم التي تتبع الدجال وكل ناعق؛ إذ إن آباءهم الآن يسقونها بماء الغفلة أو التبعية أو معاداة الحق وأهله.

أما أهل الحق والإيمان فلا غبش لديهم فالمعركة بيِّنة، فهي جولة بين الحق والباطل، وهم يلتمسون النصرة من الحق الواحد الجبار.

انظر إلى السعادة الغامرة التي تكتنف الإعلاميين وكل الذين يُلَقَّبون بالخبراء والاستراتيجيين والمحللين ـ وما هم بشيء ـ وارقب في أعينهم كبرا ما هم ببالغيه، فهم يوقنون أن ما ظفروا به تكتمل هناءتهم سعادة ًبتحققه، وأنه دائم ملازم لهم لن ينفك عنهم ـ بتوهمهم ـ وهذه السعادة تصل بهم ذروتها فتكتمل قبل سلبهم إياها مباشرة ؛إذ يظنون أنهم قادرون عليها، فجأة يفقدونها عَنوة، فكما وصلت سعادتهم بما ظفروا به ذروتها، وعلت هناءتهم إلى عنانها، من أعلى ذرا ما أدركوه يهوون، ووقت اكتماله ـ بظنهم ـ يفقدون كل هذا فتكون الحسرة في أعظم صورها وأشنع مشاعر الإيلام، ويصبحون في أبشع حالات الهلع والندامة، إنها الحسرة في أكمل مراحلها وأعلى درجاتها.وما ذلك إلا لأنها من الله ألقاها عليهم ليذوقوا وبال أمرهم وتكون عاقبة أمرهم خسرانا وحسرة.

ورد في المعاجم:”ويقال حَسِر فلان يَحسر حَسْرةً وحَسَراً إذا اشتدت ندامته على أمرٍ فاته”. تهذيب اللغة.

لكن تناول المعاجم جاء مع دقته وسداده تغلب عليه الدلالة العامة المجردة، أما في نصوص القرآن فإنها تدل ليس فقط على الكمد وشدة الندامة على ما فات بل تدل على أن الحسرة تكون أشد إيلاما وأكمل خسرانا بأن تكتمل لدى الظافر بما سعد به وهنئ أسبابُ الدوام والبقاء فيزول عن خاطره أي توجس بزوال أو انتهاء النعيم الذي حصل عليه، حتى إذا ما اكتمل فقده كله فجأة.

 قال تعالى:{فتقعد ملوما محسورا}الإسراء/29. والحسرة: الغم على ما فاته والندم عليه، كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه، أو انحسر قواه من فرط غم، أو أدركه إعياء من تدارك ما فرط منه، قال تعالى: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم}آل عمران/156.

“إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ” الأنفال(36){ ثُمَّ تَكُونُ } عاقبة ذلك أن يكون إنفاقهم حسرة عليهم، وكأن ذات الأموال تنقلب حسرة تصير ندما”فتح القدير.فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك، ثم تذهب أموالهم، ” ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً”أي: ندامة؛ حيث لم تُجْدِ شيئًا؛ لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه، ومُعْلِن كلمته، ومظهر دينه على كل دين. فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم، رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قُتِل منهم أو مات، فإلى الخِزْي الأبدي والعذاب السَّرْمَدِيّ؛ ولهذا قال:{فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ }تفسير ابن كثير

خلاصة القول:”وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا الطلاق(3)، ومقتضيات الحكمة تستوجب إكمال النعمة وهي أن الله تعالى هو الذي نفث في رُوْعِ هذا الشعب هذه الثورة المباركة، وسيتم نعمته عليه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

قال إسماعيل صبري :

لا تتركوا مستحيـلا فـي استحالته   حتى يُمـيطَ لكـم عن وجه إمكان

عن احمد العبد

اضف رد

إلى الأعلى
shared on wplocker.com